المنجي بوسنينة
348
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
« لولا أنّ العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاما وخاطرا ، ما قدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه لأنه لا يهجو ولا يمدح ولا يتكسب ولا يتصرّف ، وما نعلم شاعرا لزم فنّا واحدا لزومه ، فأحسن فيه وأكثر » [ الأغاني ، 8 / 354 ] . وروى الأغاني أخبارا وآراء تتّسم بكثير من العفويّة والمزاج ، يرى بعضها فيه ، إمام الشعراء في إخفاء سرّه ، بقوله : [ الأغاني ، 8 / 357 ] . أريدك بالسلام فأتقيهم * فأعمد بالسلام إلى سواك وأكثر فيهم ضحكي ليخفى * فسنّي ضاحك والقلب باك كما يرى آخر أنه أشعر الناس ، لبيت شعر واحد قاله يتحدّث فيه عن التعلّل والانشغال . ومثله لأعرابي استنشده أحدهم فأخذ يكتب عنه فلمّا سمع شعرا للعباس ، سكت الأعرابي قائلا لمن يكتب عنه : « هذا عندك وأنت تكتب عني ؟ ! لا أنشدك حرفا بعد هذا [ الأغاني ، 8 / 359 ] ومما أورده الأغاني قول لحمّاد بن إسحاق ، حفيد المغني العربي القديم إبراهيم الموصلي ، جاء فيه : « ما غنّى جدّي في شعر أحد من الشعراء أكثر مما غنّى في شعر ذي الرمة وعباس بن الأحنف » [ الأغاني ، 8 / 362 ] . وحدّث نجل شاعرنا إبراهيم العباس ، عقب سماعه بيتا لوالده قال : ما رأيت كلاما محدثا أجزل في رقّة ، ولا أصعب في سهولة ، ولا أبلغ في إيجاز ، من قول العباس بن الأحنف : تعالي نجدّد دارس العهد بيننا * كلانا على طول الجفاء ملوم [ الأغاني ، 8 / 365 ] . ثمّ حدّث نجل الشاعر نفسه ، في المقام نفسه ، تعقيبا على ما سمعه من أبيات مغنّاة لوالده ، فقال : « هذا والله الكلام الحسن المعنى ، السهل المورد ، القريب المتناول ، المليح اللفظ ، العذب المستمع » [ الأغاني ، 8 / 365 ] . ومن الكتب التي درست صناعة الشعر ومآخذ العلماء على الشعراء كتاب : الموشّح » لأبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني ( ت 384 ه / 994 م ) . وفيه مفاضلة حواريّة شهدها إسحق بن إبراهيم الموصلي ( ت 235 ه / 850 م ) وشارك هو فيها ، وهي بين أبي العتاهية والعباس بن الأحنف ، وكانا معاصرين وشاعرين في بلاط الرشيد الذي كان يفضل أبا العتاهية على ابن الأحنف ، ويقدمه عليه ، حتّى أنشده إسحق الموصلي أبياتا للاثنين ، فنّد فيها كلّ شعر على حدّة ، فصوّب الرشيد رأيه ، وحكم بتقديم العباس على أبي العتاهية [ الموشّح ، ص 406 - 407 ] . ومن الملاحظ أنّ المرزباني في كتابه المذكور ، وخلال الفقرة التي أفردها لترجمة العباس ، حرص على تبيان معايب الشاعر وسقطاته في معظم صفحات الترجمة ( ص 445 - 449 ) ، وهذا دأب كثير من الدارسين ، وبخاصّة أمام شعراء بلغت شهرتهم ومنزلتهم آفاقا واسعة . فهم لا ينفكون يمعنون